كيف تُقنع شخصاً بأن يصنع تجربته الذاتية بعيداً عن نصائح الآخرين بينما هو يقرأ نصيحتك له؟
======================
بسم الله…
أذكر مناسباتٍ كثيرة كان فيها ندمي على سماعي لنصيحة في غير محلها تفوق بكثير حسرتي على قرارات خاطئة قد أكون اتخذتها بدون سابق مشورة. قد يتوافق ذلك مع المقولة الشائعة بأن المرء في آخر حياته يتحسر على الأشياء التي لم يفعلها أكثر بكثيرٍ من تحسّره على الأشياء التي فعلها.
كان لدي دائماً ذلك الشعور الغريب بأني مختلف. لا أظن الأمر يتعلق بفوقية أو بأفضلية بل قد يكون خليطاً من غرابة الأطوار غالباً، الدونية أحياناً أخرى… حسناً ربما والأفضلية في بعضها. كان ذلك الشعور مزيجاً من أفكار و قناعات لا أعرف مصدرها بأن كل أفراد عائلتي، أبي و أمي تحديداً، مميزون و تميّز كل منهم ينعكس على شخصيتي لأكون أنا بالتالي نسخة خاصة بي لا تشبه أحداً في هذا العالم. أذكر جيداً مكتبة والدي حفظه الله في منزلنا القديم وحواراً سمعته بينه وبين أحد الأقارب ينبهه فيه بأني أصبحت أقرأ في مسائل “خلافية” لا يجدر بي قراءتها في سني آنذاك! والدي لم يُشِر لي يوماً لذلك الحوار 😊 أذكر أيضاً عدم استيعابي لنصائح قدمها لي بالغون، لأن عقلي كان يتسائل دوماً عن ملائمة هذه النصيحة “المعلبة” لي أنا المختلف.
صاحبني هذا الشعور حتى سنواتٍ قليلةٍ سابقة. أذكر خلالها تنبيهات تلقيتها من معارفي لتحذيري من أشخاص معينين. مستعينين بتجاربهم “السيئة” مع هذا “الفلان” بالذات. لم أستوعب هذه التحذيرات، و لم أعد طفلاً وقتها. كانت قناعتي أن هؤلاء الأشخاص، و إن نقلوا تجاربهم عن حسن نية، فإنهم ينقلون لي تجاربهم الشخصية مع من يحذرونني منهم و تجربتهم الشخصية في النهاية هي تجربتهم هم! ما علاقتي أنا بهذه التجربة و بردّة الفعل التي تلقّوها؟ أنا مختلف! محصلة هذه التجارب أنّي كوّنت علاقاتٍ رائعة على المستوى الشخصي والعملي مع أشخاص كان من المفترض بي أن أتجنبهّم! بل أني لازلت وبعد سنوات طويلة أحمل امتناناً عميقاً لأفضالٍ غاية في الكرم والإحسان لبعضهم عليّ. ألم أقل أني مختلف!؟ أو ربما أن أصدقائي 😉مختلفون!؟
مثالٌ آخر… وفي مرة من المرات القليلة التي ألجأ فيها لنصيحة، استشرت زميلاً عزيزاً في شأنٍ يتعلق بخياريْن مهنييْن. كانت نصيحة هذا الزميل، وهو بالمناسبة ممن لا زلت أثق بخبرته و صدقه، أن أستمر في سلوك خياري الأول و هو الأضمن والأجزى مادياً لكنه نبهني أنه قد يتطلب إجراءات معيّنة وغير معقدة. بكل بساطة لم أرتح لهذا الخيار لأن شعرت أن هذه الإجراءات، على بساطتها، لاتنسجم مع شخصيتي. ابتسمتُ لصديقي و عقدت العزم على أن أغامر باختيار الطريق الآخر. التقيت بذلك الصديق بعدها بشهور قليلة عندما جاءني مباركاً على نقلة مهنية حصلت عليها فذكّرته مازحاً أن هذا الإنجاز ماكان ليتحقق لو أني اتبعت نصيحته وقتها.
مع مرور الوقت، بدأت هذه التجارب والخواطر المصاحبة لها تثير فضولي للبحث عن دوافعها. أسئلة عديدة بدأت ولازالت تدور في رأسي: هل أنا مختلف فعلاً؟ أم أن شعوري بالغرابة هو نتيجة عجزي عن ملاحظة الإختلافات بين الآخرين؟ لماذا تبدو قيم و قناعات جماعة أو فئة ما وكأنها من قالبٍ واحدٍ من قوالب متعددة تختلف فيما بينها إلى حد النزاع والتصادم؟ قارن ذلك بالتسامح الذي تجده في بعض المجتمعات ثم بالتفرّد العجيب الذي تجمعه البراءة المطلقة بين الأطفال! لعلها التربية والبيئة المحيطة.
لا يكاد يخلو كتابٌ حديثٌ في التربية من التأكيد على أهمية توفير البيئة الصحيحة التي توفر الدعم الإيجابي لنمو الطفل و بناء شخصيته. هذه الشخصية التي تنمو ثم ترتبط مع غيرها وتتشابك لتكون المجتمع والوطن والأمة والبشرية. تنمو و ترتبط و تتشابك و قد تنتهي بأن تذوب تماماً في قيم البيئة التي نشأت بها لتُنتج هذه البيئة مجتمعات يربطها وعيٌ جمعيٌ أوجدته التجارب الحياتية التي مر بها أفراد هذا المجتمع، أكانت تجارب أسرية أو قيما وقناعات اجتماعية أو دينية أو أخلاقية أو سياسية. النتيجة هي أننا ننمو بحسب هذه القناعات و وفقاً ل قوانينها. بعض هذه القناعات التي ورثناها عن المجتمع و عن إرثنا الإنساني تسهل على الفرد منا الوصول إلى بعض أنواع المعرفة و القيم التي نعتبرها اليوم بديهية، كفكرة الجاذبية الأرضية مثلاً. لكن الفكرة هنا هي الإشارة لأثر البرمجات التي نشأنا عليها في بناء هوياتنا كأفراد. بناء هوية فردية محددة بقوالب مسبقة الصنع للصواب والخطأ، لما يجوز و ما لا يجوز، للمعرفة المفيدة و غير المفيدة، لما هو ممكن و غير ممكن، و ل “نحن” و”هم”. هذه القوالب التي تضع لنا حدود المعرفة التي يمكننا التزود بها في رحلة البحث عن الحقيقة؛ حدودٌ تمنعنا، بوعيٍ منا أو بلا وعيٍ، من البحث عن إجابات لتساؤلاتنا الوجودية التي نعجز غالباً عن البوح بها لمن حولنا بل و تحكم علاقتنا بالآخر المختلف عنا.
التماسنا للنصيحة من صديقٍ أو مجرّبٍ و بدون تجربةٍ ذاتيةٍ أو انتباهٍ لتأثير الوعي الجمعي إذاً قد يكون وسيلتنا اللاواعية للتهرب من مسؤولية المعرفة والتزاماتها، و هي أيضاً ملجؤنا الأسهل الذي بإمكاننا أن نلومه في أسباب عجزنا و إخفاقاتنا. التجربة التي بالإمكان الإستناد عليها لا تتكون بدون الصدق والإتساع والقبول. الصدق مع الذات في الإطلاع و القراءة و السعي وراء الحقيقة. و الإتساع للرأي الآخر الذي يتيح الإنفتاح عليه آفاقاً متجددة للحوار و تبادل الأفكار و تعميق تجربتنا الإنسانية. أما القبول فهو السماح للنفس بالتجربة والخطأ في سعيها الصادق للمعرفة والحقيقة، و التسليم و القبول بالمعلومة الصحيحة. و صحة المعلومة هنا مقرونة بالصدق مع الذات في تقييمها، مهما كان مصدرها (فالحكمة ضالة المؤمن).
======================
كشكول:
- مفاهيمنا عن الحياة: السعادة، التعاسة، الجمال، السلام و حدود هذه المفاهيم محكومة بوعينا الجمعي عنها. اتسع خارج مفاهيمك المعتادة، خارج نطاق جماعتك، خارج دائرة ارتياحك. استغل وفرة المعرفة الحرة و غير المقيدة لتكتشف أبعاداً أخرى من الجمال كانت غائبة عن قصور وعيك المقيد. استحضر نية الإتساع و تحمل مسؤولية المعرفة والقدرة على التغيير. تغيير ذاتك الذي تبدأ به تغيير ما حولك.
- ”إسأل و اقرأ واطّلع لتعرف و تتعلم وتوسع مداركك، لا لتؤكد ما تعتنقه” – ديفيد هاوكينز
